ابن خلدون
268
تاريخ ابن خلدون
وكان يستظهر على عهده بكتاب أبيه وما أودعه السلطان بحاشيته من الوفاق على ذلك بخطه واقتضاه منه حاجبه أبو القاسم بن عتو في سفارته إليه فامتعض السلطان لما أضاع عمر من عهد أبيه وهدر من دم أخيه وارتكب مذاهب العقوق فيهم وخرق السياج الذي فرضه بخطه عليهم فأجمع الحركة إلى إفريقية ولحق به خالد بن حمزة بن عمر نازعا إليه ومستعدا مسيره ففتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالمسير إلى إفريقية وأزاح عللهم وكان صاحب بجاية المولى أبو عبد الله حافد مولانا الأمير أبى يحيى وفد على السلطان أبى الحسن اثر مهلك جده بقرب المآب بسفارة أبيه إليه ويطلب الاقرار على عمله فلما استيأس منه واستيقن حركته بنفسه إلى إفريقية طلب الرجوع إلى مكانه فأسعف وفصل إلى بجاية ولما قضى السلطان منسك الأضحى من سنة تسع وأربعين عقد لابنه الأمير أبى عنان على المغرب الأوسط وعهد إليه بالنظر في أموره كافة وجعل إليه جبايته وارتحل يريد إفريقية وسار في جملته هو وخالد بن حمزة أمير البدو ولما أحتل بوهران ووافاه هنالك وفد قسطيلة وبلاد الجريد يقدمهم أحمد بن مكي أمير حربه ورديف أخيه عبد الملك في امارته ويحيى بن محمد بن يملول أمير توزر سقط إليها بعد خروج الأمير أبى عمر العباس ولى العهد عنها ومهلكه بتونس وأحمد بن عامر بن العابد رئيس نفطة رجعا إليهما كذلك بعد مهلك ولى العهد فلقيه هؤلاء الرؤساء بوهران في ملا من وجوه بلادهم فأتوه بيعتهم وقضوا حق طاعته ؟ ؟ محمد ابن ثابت أمير طرابلس عن اللحاق به فبعث بيعته معهم فأكرم وفدهم وعقد لهم على أمصارهم وصرفهم إلى أعمالهم وتمسك بأحمد بن مكي لصحابة ركابه وفى جملته وأغذ السير ولما احتل ببني حسن من أعمال بجاية وفاه بها منصور بن فضل بن مزنى أمير بسكرة وبلاد الزاب في وفد من أهل وطنه ويعقوب بن علي بن أحمد سيد الزواودة وأمير البدو بضاحية بجاية وقسنطينة فتلقاهم بالمبرة والاحتفاء وألزمهم ساقته وسرح بين يديه قائده حمو بن يحيى العسكري من صنائع أبيه فلما عسكر بساحة بجاية أبى أبو عبد الله وأبى عليه أهل البلد رهبة من السلطان ورغبة فيه وانفضوا من حوله ولحقت مشيختهم من القضاء وأهل الفتيا والشورى بمجلس السلطان وسابقهم إليه حاجبه فارح بن سيد الناس فأدى طاعته ورجعه إليه للخروج للقاء ركابه وارتحل حتى إذا أطلت راياته على البلد بادر المولى أبو عبد الله ولقيه بساحة البلد واعتذر عن تخلفه فتقبل عذره وأحله من البرور والتكرمة محل الولد العزيز وأقطعه عمل كومية من نواحي سنين وأسنى جرايته بتلمسان وأصحبه إلى ابنه أبى عنان صاحب المغرب الأوسط واستوصاه به ودخل بجاية فرفع عنهم الظلامات وحط عنهم الربع من المغارم ونظر في أحوال ثغورها